يثير شعار التغيير
الذي رفعه " العهد الجديد
"
في إعلان 7 نوفمبر 1987 على
ضوء ما ترسب من تجربته
إلى 7 – 11 – 2001 وهو يبشر"
بجمهورية الغد" تساؤلات
محيرة حول منطق السلطة
في تعاملها مع المجتمع
في غياب مفهوم
واضح للمواطنة كمرجع
للشرعية في أي نظام يهتم
بأن يكون معبرا عن أغلبية
الرأي العام
للمجتمع القائم عليه
.
وتبدو المعضلة الأكثر
تعبيرا عن هذا المأزق
في
التناقض في تقييم الأوضاع
التي تمر بها البلاد حاليا
بين ما يحاول أن يعكسه
الخطاب
الرسمي من الرضا الذاتي
والتشبث بالاختيارات
وما يفرزه الشارع من علامات
احتقان
وإحباط وانسداد للآفاق.
ويتجلى هذا التصادم
في الرؤى في القطيعة الحاصلة
بين جهاز الحكم بكل مكوناته
السياسية والإدارية والأمنية
والمجتمع المدني بكل
مكوناته حيث تحولت جدلية
العلاقة بينهما على أساس
منطق الولاء والرفض كما
حسمت ذلك
بكل وضوح حملة المساندة
لإعادة انتخاب الرئيس
زين العابدين بن علي إلى
فترة رابعة.
وقد أدى هذا الوضع إلى
انحرف الصراع السياسي
عن ارتداد خطير على المبادئ
الأساسية
للقيم الجمهورية ومفهوم
المواطنة بوضع الدولة
ذاتها في منطق النظام
القائم وربط
مصيرها بمصيره ومحاولة
إقصاء المجتمع المدني
على هامش المجتمع واستعدائه
عليه.
كما تراجع مفهوم
الدولة إلى سلطنة اوتوقراطية
مستبدة و متفردة بالسلطة
عاجزة عن القبول بقواعد
العمل السياسي والتخلص
من عقلية
التبعية والولاء والحصار
والإقصاء على أساس السطوة
والسيطرة بكل ما يتطلبه
ذلك من
مستلزمات بشرية وتشريعية
لا هم لها إلا ضمان الاستمرار
والاستقرار مما أدى إلى
استشراء قيم العصبية
والقرابة والولاء والتبعية
على خلفية المصالح الخاصة
والانتهازية وتغليب رابطة
التضامن الضيق الذي تمليه
المصالح الخاصة والخوف
من
المصير.
ولو حاولنا قراءة
خطاب السلطة من هذا المنطلق
لتبينا مدى صدقه وانسجامه
وتعبيره عن أوضاع الفئات
النافدة ومصالحها ومشاغلها
وتطلعاتها و سواء تناولنا
مجال المؤسسات أو الحريات
فإننا سنجد انه أحكم حكمه
على
مقاس هاته المصالح وهذه
الفئات وأقصى عنها كل
من يخالفها أو صرح بما
يخالف استتباب
أوضاعها
وهي أوضاع تتناقض
وجود برلمان تونسي
وهي أوضاع تتناقض
مع حياد الإدارة
وهي أوضاع تتناقض
مع استقلال القضاء
وهي أوضاع تتناقض
مع حرية الإعلام
وهي أوضاع تتناقض
مع حرية التعبير والتظاهر
وهي أوضاع تتناقض
مع حرية الأحزاب والتنظيم
وهي أوضاع تتناقض
مع حرية العمل النقابي
والطلابي
وهي أوضاع تتناقض
مع الدعوة للعفو التشريعي
العام
وهي أوضاع تتناقض
مع عودة المغتربين
وهي أوضاع تتناقض
مع احترام الدستور والمعاهدات
والقوانين
وهي أوضاع تتناقض
مع التنديد بالجور والتعذيب.
إننا في أوضاع تردنا
إلى رعايا وتفرغ مواطنتنا
من ابسط معانيها تعود
إلينا من عهود مظلمة لا
تعرف إلا العبيد والموالي
وهي أوضاع
لن تترك لنا إلا استجداء
القوى العظمى لتصدر لنا
عهد أمان من نقمة السلطان
إننا فقدنا مواطنتنا
ولأننا فقدنا مواطنتنا
تفتك منا أرزاقنا غصبا
أو
بتزوير الأحكام و نقصى
من وظائفنا ويضيق علينا
قوتنا ولا نجد قضاءا منصفا
ولا حاكما
عادلا. وتنتهك أعراضنا
وتشوه أقوالنا ويستعدي
علينا ويفتن بيننا وزملائنا
حتى لا
نجد مدافعا ولا نصير
ولأننا فقدنا مواطنتنا
يبث حولنا المخبرون
ويلاحقنا الأعوان والمندسون
و يتصنّت على مخابراتنا
وتقطع هواتفنا وتصادر
مراسلاتنا
ولأننا فقدنا مواطنتنا
يتهدّدنا السجن والعقاب
وتنصب لنا المكائد وتحاك
لنا الدسائس ويتربص بنا
الأنذال
ولأننا فقدنا مواطنتنا
إلى هذا الحد نعجز عن
إنقاذ مئات من خيرة مواطنينا
من غياهب السجون وقد طال
حبسهم ظلما وبهتانا ولا
من
رحيم
ولأننا فقدنا مواطنتنا
نعجز عن ضمان حق العودة
للآلاف من مغتر بينا وقد
قهروا على التيه في المنافي
منذ أكثر من عشر سنين واستعجم
أبنائهم وحرموا من دفئ
الوطن والأقارب والأحبة
رغم طول انتظار
ولأننا فقدنا مواطنتنا
يقبع محمد مواعدة في
السجن بدون حكم أو قانون
ويضل حمه الهمامي طريدا
بين المخابئ ويحرم من
زوجته وبناته
ويحاصر المنصف المرزوقي
أينما حل أو نزل يستفز
ويهان بعد أن حرم من الأهل
والعمل
يريدون حرمانه من الأمل
ولأننا فقدنا مواطنتنا
نحرم من البراءة ونعيش
مشاريع سجناء
ولأننا فقدنا مواطنتنا
نعيش واقع قهر و اضطهاد
لأننا فقدنا مواطنتنا
نحرم من التواصل مع
مناضلينا الصادقين المخلصين
وتحاك المؤامرات تلو
المؤامرات على أحزابنا
ونقاباتنا
وجمعياتنا وهيئاتنا ورموزنا
ولأننا فقدنا مواطنتنا
تسيج جامعاتنا بالجدران
والحديد وتحول إلى محتشدات
محروسة لتخريج العبيد
لأننا فقدنا مواطنتنا
تتحول مدننا وقرانا وأريا
فنا إلى معاقل محروسة
لا تطالها أصواتنا وتقطع
دوننا ودونها طرق التواصل
وتكبل
بالرعب والصمت الرهيب
خلفية أزمة المواطنة
تبدو المواطنة في
مفهومها العام الشائع
حاليا
بينة ولا تحتاج إلى تعريف
وتحديد لمراجعها وبيان
لمقوماتها
كما يعتقد سذاجة
ذلك الكثيرون.
وهي بهذا المعنى
بمثابة المحصلة الذاتية
لكل فرد
ينتمي إلى هذا الوطن بحيث
يعتبر مواطنا من بين مواطنيه.
إلا أننا لو تعمقنا في
الموضوع مليا لتبينا
انه أدق من ذلك بكثير
ولئن كان الاشتقاق
اللغوي الذي يعطي المعنى
اللفظي للمواطنة لكل
منتسب إلى هذا الوطن لا
لبس فيه فإن العبارة لم
تكتسب معانيها
الحقيقية إلا منذ بضعة
عقود بداية من استقلال
تونس عن الاستعمار الفرنسي
حيث كان
يطلق على سكان البلاد
عبارة "الرعايا" نسبة
إلى الباي وهي العبارة
المعتمدة في
الوثائق الرسمية والديبلوماسية
والتشريعات الصادرة عن
الدولة ولئن كان مفهوم
الرعية
جامعا لكل سكان البلد
المطالبين بالبيعة للسلطان
إلا أن محتواه لم يكن
متجانسا ولا
متساويا حيث يختلف سكان
المدن والحواضر عن سكان
الأرياف والقبائل والعربان
وكانت
درجاتهم تختلف بحسب ما
يغدقه عليهم الباي من
امتيازات عقارية أو إعفاءات
ضريبية أو
ما يثقله على كاهلهم من
مجابي وموانع وفروض تخص
عادة قدر الأشخاص المطلوب
المساهمة
بهم في جند المملكة.
أما الاستعمار الفرنسي
في عهد الحماية فقد كان
يشير إلى سكان البلاد
بالمحليين
Autochtone و indigènes
تمييزا لهم عن المستعمرين
الوافدين حديثا والذين
تأسس عليهم النظام الاستعماري
كما
أن السكان المحليين في
المفهوم الاستعماري لم
يكونوا كتلة متجانسة
بالنسبة له أيضا
حيث كان يميز بينهم بحسب
انتماءاتهم العرقية والدينية
حيث كانت الأغلبية اليهودية
تحتل درجة أعلى من الأغلبية
المسلمة كما كان سكان
المدن يحتلون موقعا خاصا
بالنسبة
لقبائل الأرياف وحتى
بين هذه الأخيرة كان هناك
تمييز بين الأعراق البربرية
والمستعربة
ويبين ذلك غياب المفهوم
الجامع والقاسم المشترك
بين المحكومين في مواجهة
السلطة القائمة لا بسبب
مراكزهم الاجتماعية فحسب
ولكن بحسب
عناصر انتماء متعددة
كانت مصدر التشتت والتناحر
والضعف الذي اتسمت به
أمامها على مر
التاريخ والذي استخلص
منه ابن خلدون نظرية العصبية
واعتبرها أساسا قيام
الدول
واندثارها في عصره وفي
العهود السابقة له
ويمكن القول أن الخلفية
الفكرية التي قامت عليها
حركات مناهضة ومقاومة
الاستعمار الأجنبي كانت
الوعاء الحقيقي الذي
تشكل فيه مفهوم
المواطنة بالنسبة للمجتمع
التونسي في ظل الحركة
الوطنية حيث اختار دعاة
الاستقلال
أن يطلقوا على أنفسهم
الوطنيين وعلى حركتهم
الحركة الوطنية وساعد
المنحى الذي أخذته
هاته الحركة في تونس من
محاولة الاتصال المباشر
بمختلف الفئات والجهات
لجمع شتات
الفلاقة والثوار ومختلف
القوى الحية في مختلف
أنحاء البلاد في إعطاء
الوطنية المعنى
التحرري الذي حملته مع
فجر الاستقلال حيث كانت
الحركة الوطنية جامعة
لمختلف
التيارات الاجتماعية
والسياسية المنادية
بالاستقلال ولم تنزع
إلى المنحى المذهبي
الذي أخذته في بلاد عربية
أخرى وقد عبر عنها بكل
وضوح دستور 1959 سواء في توطئته
أو في الخلفية الفكرية
التي تنبض من كل فصوله
وقد جاء الفصل السادس
يعيد بكل وضوح محتوى هاته
المواطنة على أساس المساواة
في الحقوق والواجبات
: " كل المواطنين متساوون
في
الحقوق والواجبات وهم
سواء أمام القانون" كما
نص الفصل السابع على تمتع
المواطن
بحقوقه كاملة بالطرق
والشروط المبيّنه بالقانون
وانه لا يحد منها إلا بقانون
يتخذ
لاحترام حقوق الغير
وقد ترددت هذه العبارة
عدة مرات في الفصول
اللاحقة وخاصة في تحديد
مختلف الحريات الدستورية
التي تقوم عليها المواطنة
ويحدد
الفصل 15 الواجبات المحمولة
عليه في الدفاع عن حوزة
الوطن وسلامته باعتباره
واجب
مقدس على كل مواطن بينما
نص الفصل 16 على أن واجب أداء
الضرائب و التكاليف العامة
واجب على كل شخص على أساس
الإنصاف ويتجلى التجاء
المشرع إلى عبارة كل شخص
في هذا
الفصل لتشمل غير المواطنين
أيضا بما يزيد في تحديد
محتوى المواطنة في المفهوم
الدستوري المؤسس لدولة
الاستقلال.
ويمكن القول أن مفهوم
المواطنة والتي يقابلها
عبارة " الشعب التونسي
" في صيغة الجمع مفهوم
مركزي في بناء دولة الاستقلال
تتمحور
حوله كل المؤسسات والحقوق
والواجبات ولم يحمل في
أي قسم من أقسامه شرعية
استثنائية
أو امتيازا معينا لشخص
أو فئة أو حزب أو تنظيم
بعينه يجعله يتميز عن
غيره من
المواطنين بأي وجه من
الوجوه ويتجاوز نطاق
المساواة التي قام عليها
الدستور بين
كافة المواطنين باستثناء
ما ورد بالتحوير المدخل
على الفصل 39 في 8 أفريل 1976
والذي أسند للرئيس الأول
الحبيب بورقيبة رئاسة
الجمهورية مدى الحياة
في ضل النزعة
الاستبدادية التي كانت
طاغية على الأوضاع العامة
في البلاد في تلك الفترة
و ما مهد
لذلك منذ السنوات الأولى
للاستقلال من إقرار لنظام
الحزب الواحد لفائدة
الحزب
الدستوري الحاكم و ما
تبعه من تحول البرلمان
إلى مجرد هيئة معينة لا
يتعدى دورها
تزكية إرادة رئيس الدولة
و مسايرة تقلباته كما
نصب هذا الأخير نفسه رئيسا
للمجلس
الأعلى للقضاء و أحكم
وصايته عن السلطة القضائية
عن طريق وكيل عام للجمهورية
يأتمر
مباشرة بأوامره و أصبح
خارج طائلة القانون واستتب
الاستبداد نهائيا بعد
كل الآمال
التي صاحبت الاستقلال.
ويمكن الرجوع إلى
مرجعية مفهوم المواطنة
كما
حددها الفصل السادس من
الدستور بما ورد في الفقرة
الأولى من التوطئة التي
تضمنت إن
الشعب التونسي الذي تخلص
من السيطرة الأجنبية
بفضل تكتله العنيد وكفاحه
ضد الطغيان
والاستعمار والتخلف مصمم...
لاعتبار أن المواطنة
ذاتها في صيغتها الجمعية
"
الشعب التونسي " إنما
تنبع من التكتل في وجه
الطغيان والاستعمار والتخلف
الذي قاده
إلى التخلص من السيطرة
الأجنبية فأساسها من
هذا المنطلق يقوم على
تكتل في الكفاح
الذي قاد إلى الاستقلال
عن السيطرة الأجنبية
والطغيان الباياتي والاستعمار
الفرنسي
والتخلف وهو بهذا المعنى
لا يورث الحركة الوطنية
والشرعية التاريخية المنبثقة
عنها
إلى شخص أو فئة أو تنظيم
أو حزب و إنما إلى تكتل
مختلف الشخصيات والفئات
والتنظيمات
والأحزاب الوطنية التي
قادتنا إلى الاستقلال
ولعل ما يزيد في
توضيح وبلورة هذا المعنى
الرجوع
إلى الظروف التاريخية
التي تم في ظلها الاستقلال
تحت خلفية فتنة داخلية
قسمت الحزب
الدستوري ومختلف الوطنيين
في مختلف الجهات والتنظيمات
بين الخط الذي تزعمه الحبيب
بورقيبة والخط الذي نادى
به المرحوم صالح بن يوسف
وقد جاء هذا الخلاف بدوره
على
خلفية مذهبية تمحورت
حول ارتباط الكفاح الوطني
بالثورة الجزائرية والهدف
من
الاستقلال بناء الدولة
الوطنية أو السعي إلى
وحده المغرب العربي أو
الوحدة العربية
أو الحركة الإسلامية
وهو ما جعل جانب كبير من
الوطنيين ذوي النزعات
القومية
والإسلامية وحتى بعض
اليساريين لا ينخرطون
في الدعوة إلى مشروع الاستقلال
كما تفاوض
عليه الحبيب بورقيبة
ومجموعته وبالصيغة التي
قدم بها .
وبقدر ما يؤكد أعضاء
المجلس التأسيسي في الصيغة
النهائية الواقع إقرارها
للدستور الذي استمر إعداده
عدة سنوات رفضهم التأثر
بهاته
الخلفية الظرفية في تحديد
المواطنة كمصدر للشرعية
في دولة الاستقلال دون
إقصاء أو
تحديد واعترافهم بتكتل
كافة قوى الشعب التونسي
في الظفر بالاستقلال
بجميع أطيافها
القومية والإسلامية واليسارية
دون تمييز فقد انعكس هذا
الصراع لاحقا بسبب التداخل
اللغوي في تعريف الدولة
الوطنية بالقطرية التي
بقدر ما طعن فيها خصومها
باعتبارها
صفقة استعمارية لإجهاض
المشروع المغاربي والقومي
والإسلامي الأشمل استغلها
مناصروها
لتقديم وطنيتهم كمستوى
أعلى في درجات المواطنة
وأصبحنا نسمع عبارات
الوطنيين
الحقيقيين والوطنيين
المخلصين الخ ... واعتبر
الشق المنتصر بزعامة
الرئيس الحبيب
بورقيبة نفسه الوريث
الوحيد للشرعية التاريخية
والوصي الوحيد على دولة
الاستقلال
وهو ما يقودنا إلى الفصل
اللاحق والذي سنخصصه
لتطور مفهوم المواطنة
في عهد
الاستقلال.
المختار اليحياوي
- تونس |