Make your own free website on Tripod.com

mytunisie2004.jpg


Appel de Tunis

Enter subhead content here

 

نداء تونس نداء المستقبل      

المختار اليحياوي - تونس

 

يعتبر النداء الذي صدر بتونس على إثر الاجتماع الذي ضم مجموعة من أحزاب المعارضة و جمعيات المجتمع المدني بمدينة إيكس قرب مرسيليا و المعروف بنداء تونس نقلة نوعية في تاريخ المعارضة التونسية رغم حالة الذهول و الصدمة التي أعقبة نشره في صفوف جانب هام من نفس هذه المعارضة التي كان لها الدور الأساسي في تحديد مضامينه.

و بعيدا عن قراءة مختلف المواقف و تداعياتها و الضجة الإعلامية التي سبقت هذا إلقاء وتلته و التي لم تهدأ إلى الآن و التي لا ترى في الوقت الحاضر جدوى من الاندراج فيها و تأجيج الجدل المحتدم بين مختلف قراءاتها فإننا نرى أنفسنا بخلاف ذلك بأشد الحاجة إلى قراءة هذا البيان و التعمق في مضامينه و أهدافه و السياق الذي أدى إلى صدوره بعيدا عن الانفعال و التحيز إلى هذا الشق أو ذاك ذلك أن الخلاف حوله لم يتعلق بمحتواه بقدر ما تعلق باعتبارات جانبية سبق الإشارة إليها في غير هذا المجال.

إن أول ما يمكن ملاحظته و الذي يجعل من هذا البيان نقطة فاصلة في تميزه في تاريخ المعارضة التونسية ينبع من منهج المبادرة نفسها حيث تحاول المعارضة لأول مرة الخروج من دائرة رد الفعل الذي أسرت نفسها داخلها إلى محاولة الفعل و المبادرة المستقلة من منطلق البحث على بديل وطني على النظام القائم و ترتقي إلى التفكير في تحمل مسؤوليتها أمام المجتمع باعتبارها نواة لبديل ديموقراطي عن السلطة الشمولية المتشبثة بالإنفراد بالحكم منذ حوالي نصف قرن.

و يبدو هذا الموقف طبيعيا بل ملحا في سياق الأحداث التي تشهدها بلادنا في السنوات الأخيرة أمام القطيعة الشاملة المكرسة فعليا بين السلطة و المعارضة و توضح قصور النهج الوفاقي الذي اتبعه قسم منها أمام عجز النظام وإصراره على عدم استيعاب الضرورة القصوى لإيجاد آليات و فظاءات للتداول في القضايا العامة التي تهم كل التيارات السياسية المتواجدة على الساحة الوطنية و ذلك بفتح المجال لحياة برلمانية حقيقية و هامش لحرية التعبير برفع القيود على الصحافة بما يسمح بظهور صحافة مستقلة كأداة ضرورية لتهيئة المجال لتكريس الديموقراطية. وذلك عوضا عن المضي في تهميش المعارضة و دفعها إلى التذيل له و محاولة التأثير في تشكلها أو مناصبتها العداء عن طريق الاستئصال و الاضطهاد و المحاصرة بما يحول دونها و الاضطلاع بأي دور سياسي فاعل في الساحة الوطنية و يكرس أحادية السلطة في ضل نظام الحزب الواحد و الذي ل يبقي دورا للمعارضة داخله سوى استخدامها كذريعة لتعددية وهمية أمام الانتقادات الأجنبية و الداخلية.

لذلك فإن مختلف أحزاب المعارضة الوطنية تواجه اليوم تحدي الخروج من هذا المأزق و تجاوز الدور الذي وقع توظيفها فيه من طرف النظام في تلميع صورته الديموقراطية الزائفة في وقت لم يزدد فيه إلا شمولية و انغلاقا على حساب مزيد تقوقعها و انحسارها و فقد الكثير من مصداقيتها وطنيا و دوليا في القدرة على رفع التحديات القائمة اضطلاعها بمسؤولياتها.

كما تبدو مخلفات الأزمة الدستورية الراهنة و التي جاءت انعكاس لتوجه مبيت وقع الإعداد له منذ عدة سنوات بفرض الحل الأوتوقراطي نهائيا لأزمة نظام الحكم بطريقة انفرادية و أحادية الجانب تكرس مواصلة الهيمنة على السلطة بصفة مطلقة تغلق نهائيا أي إمكانية لتداولها بصفة ديموقراطية حسبما تجلى ذلك من تحوير الدستور الذي وقع إقراره بعد الاستفتاء المجرى خلال شهر ماي 2002. و يبدو جليا الآن انتكاس آفاق الانفتاح الديموقراطي الذي روج له بيان 7 نوفمبر 1987 و اتجاه النظام إلى احتكار السلطة بصفة شمولية مطلقة تحت غطاء دستوري يزيد من تضييق مجالات العمل السياسي و انتقائيته في ضل شرعية شكلية قائمة على تواطؤ أمني، إداري و قضائي على انتهاك أسس الجمهورية في خدمة أوتوقراطية سياسية-مالية مغلقة و ذات قاعدة ضيقة تفتقد لأدنى شروط الشفافية و القابلية للمحاسبة القانونية.

و يبدو التجاذب اليوم داخل أطراف المعارضة حول الخلاف على استراتيجية مواجهة هذه الوضعية بين موقفين رئيسيين ينطلق كل منهما من قراءة خاصة للوضع لا تخلو من اعتبارات سياسوسة أكثر منه اختلاف على موقع حركة النهضة الإسلامية من الخارطة السياسية.

و يعتبر الموقف الأول أن مصير النظام الحالي مرتبط بالأوضاع الدولية و التأثيرات الخارجية و خاصة الأوروبية منها و يعتبر أن أي تحالف مع حركة النهضة الإسلامية المحظورة لا يمكن إلا أن يضعف موقعه في كل الحالات كبديل مقبول دوليا عن النظام الحالي. لذلك فإن استراتيجيته تقوم على التحصن بمواقعه المكتسبة و لعب دوره داخل المنظومة الشكلية التي أعدها له النظام لمشاغبته و دفعه إلى مزيد فضح حقيقته الشمولية البوليسية لمزيد عزله دوليا و داخليا في انتظار تضج الظروف الملائمة دوليا و محليا لسقوطه أو اضطراره لمقايضة بقائه في السلطة على القبول بمشاركته فيها و هو توجه لا يختلف كثيرا مع ما حصل في نهاية العهد السابق.

بينما يعتبر التوجه الثاني أن النظام القائم فقد مشروعيته الدستورية و التاريخية نهائيا و انحسر في يد المؤسسة الأمنية الحامية له و لم يعد له قابلية لخوض أي مجابهة ديموقراطية حقيقية لذلك فإن أي عمل من أجل بديل ديموقراطي لا يمكن للنظام القائم فيه من دور سوى دفعه للقبول بمقايضة نقل السلطة بصفة سلمية. لذلك فإنه يسعى إلى تعبئة كافة الظروف و الإمكانيات للقطع نهائيا مع هذه المرحلة الشبه استعمارية التي عجزت عن تحقيق أهداف الاستقلال الوطني و ذلك بالدعوة للإعداد لمرحلة تأسيسية تعيد بناء الجمهورية على أساس الديموقراطية و التعددية.

هذا الاختلاف بمختلف أبعاده السياسية و الإستراتيجية الداخلية و الخارجية الظاهرة و الخفية هو الذي كشفه البيان الصادر تحت اسم - نداء تونس – إثر لقاء إيكس الأخير إضافة إلى المفاجئة المنهجية في اعتماد طريق المكاشفة و المصارحة العلنية التي لم تتعود عليها الساحة السياسية التونسية مما أدى إلى إحداث رجة داخل الأوساط الديموقراطية و أدخل جانبا كبير منها في حالة تصادم أو وجوم يحاول الآن كتيرون تعتيمه باعتباره مجرد تصادم طموحات شخصية.

إننا ندرك من كل ما سبق أننا نعرض لمسؤولية المعارضة التي أغفل البيان تحميلها عبئها من المسؤولية في ما آلت إليه الأوضاع السياسية و الإجتماعية بما يؤكد حاجتنا إلى حوار شامل ومعمق مشترك وداخل كل تنظيم يطمح لأن يلعب دورا مستقبليا في التأسيس لتونس التي ترضينا جميعا خارج كل حسابات ضيقة أو سياسوية وعلى قدر كبير من النقد الذاتي واستيعاب دلالات مختلف المعطيات الداخلية و الخارجية حتى نصل إلى هذا "العقد السياسي المؤسس لمجتمع ديموقراطي و يقطع مع الحلول المغشوشة و استراتيجيات المساومة و التنازل على حساب المبادئ".

 

إن التونسيين والتونسيات من ممثلي الأحزاب السياسية وسائر مكونات المجتمع المدني من جمعيات وشخصيات مستقلة، ومن موقع استشعارهم بجسامة المرحلة السياسية التي تمر بها بلادنا وخطورة المأزق السياسي الذي تتخبط فيه  

      -يحملون السلطة مسؤولية  ما آلت إليه الأوضاع السياسية والاجتماعية ، من  تدهور وانسداد الآفاق بسبب خيارات الهروب إلى الأمام القائمة على مصادرة الحريات الجماعية والفردية وهيمنة الحزب المطلقة على الإدارة والدولة واحتكار هذه الأخيرة لكل الفضاءات والمبادرات وتعطيل وظائف الأحزاب السياسية والجمعيات وكل مكونات المجتمع المدني والتدخل السافر في شؤونها الداخلية والانتهاك الواسع والخطير لحقوق الإنسان وتوظيف القضاء ضد الخصوم وإشاعة مناخ الخوف واعتماد الأسلوب الأمني القمعي في معالجة الخلافات السياسية وتكريس ازدواجية فاضحة بين الممارسة والخطاب والتلاعب بالدستور والتنكر لمبادئ الجمهورية واعتماد منظومة قانونية تقنن للإفلات من العقوبة لاستمرار النظام القائم والقضاء على أي أمل في التداول السلمي على السلطة،  والاستخفاف بالرأي العام الوطني من خلال استمرار مسلسل التضليل القائم على إنكار هشاشة الوضعية الاقتصادية والاجتماعية جراء الخيارات الاقتصادية التي عمقت الفوارق الاجتماعية و ممارسات الفساد وسوء التصرف في المال العام.

 

يتناول الجزء الأول من النداء المآخذ التي تتحمل بموجبها السلطة مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع السياسية و الاجتماعية. و يمكن تبويب هذه المآخذ على نحو ما وردت في النداء إلى سبعة عشر نقطة أساسية هي :

1 - تدهور وانسداد الآفاق

2 - خيارات الهروب إلى الأمام

3 - مصادرة الحريات الجماعية والفردية

4 - هيمنة الحزب المطلقة على الإدارة والدولة

5 - احتكار هذه الأخيرة لكل الفضاءات والمبادرات

6 - تعطيل وظائف الأحزاب السياسية والجمعيات وكل مكونات المجتمع المدني

7 - التدخل السافر في شؤونها الداخلية

8 - الانتهاك الواسع والخطير لحقوق الإنسان

9 - توظيف القضاء ضد الخصوم

10 - إشاعة مناخ الخوف

11 - اعتماد الأسلوب الأمني القمعي في معالجة الخلافات السياسية

12 - تكريس ازدواجية فاضحة بين الممارسة والخطاب

13 - التلاعب بالدستور

14 - التنكر لمبادئ الجمهورية

15 - اعتماد منظومة قانونية تقنن للافلات من العقوبة لاستمرار النظام القائم

16 - القضاء على أي أمل في التداول السلمي على السلطة، 

17 - الاستخفاف بالرأي العام الوطني من خلال استمرار مسلسل التضليل القائم على :

-        إنكار هشاشة الوضعية الاقتصادية والاجتماعية

-        الخيارات الاقتصادية التي عمقت الفوارق الاجتماعية 

-        ممارسات الفساد وسوء التصرف في المال العام.

 و تبدو هذه القائمة المطولة جردا لتركة الاستبداد و قائمة اتهام للنظام على الانتكاسات الحاصلة في الوعود التي أطلقها سواء في بيان 7 نوفمبر 2003 و كرسها الميثاق الوطني الذي أمضاه بعد سنة مع مختلف التنظيمات التمثيلية المعبرة عن موقف الشعب التونسي و تطلعاته الحقيقية و التي بنى عليها هذا النظام شرعيته.

 

النقاط التي يتعرض فيها النداء إلى منهج النظام في بسط نزعته الشمولية و الأحادية على المجتمع باحتكار مؤسسات الدولة و تعطيل مؤسسات المجتمع المدني .

1 – تدهور و انسداد الآفاق

تبرز هذه الحالة في مختلف مظاهرها السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية في ظاهرة التصحر و الوجوم و الإحباط التي يعاني منها المجتمع التونسي حاليا. فقد نجح النظام في صرف الناس عن الشأن العام عن طريق قمع و تكبيل و تكميم كل مصادر التنوع و الثراء في مجتمعنا و قضى على روح المبادرة و التضامن و الحوار و حول البلاد إلى ثكنة الجيش المهزوم لا تتجاوب في أرجائها سوى أصداء القرف و الوجوم. تدار بصفة فوقية دون أن يعرف لها مسار أو هدف أو قرار.

ويمكن أن نلمس بصفة مادية مظاهر انسداد الآفاق و تدهور الأوضاع في بعض الظواهر الغريبة الشاذة التي لم تعرف لها بلادنا مثيلا إلا في أحلك فترات العسف و الاستعمار و التي تؤشر عن عمق الأزمة التي تشق المجتمع التونسي و التي لا تجد القنوات الطبيعية لتنفيسها و تخفيف وطأة ضغطها.

-     ظاهرة قوارب الموت : إذا كان يكفي مجرد المرور أمام السفارات و القنصليات الغربية لملاحظة الحشود المتراصة على أبوابها على مدار السنة طلبا للهجرة و الانتباه إلى أن شيئا غير عاديا بصدد الحدوث فإن قنوات الهجرة السرية التي أصبحت مختلف السواحل التونسية منطلقا لها أصبحت تنعكس أخبارها في ما تردده وكالات الأنباء العالمية دوريا من حوادث غرق العشرات و المئات أحيان الفارين من جحيم الإحباط و الانسحاق مخاطرين بحياتهم حتى صارت جثثهم تتقاذفها الأمواج على مختلف شواطئ البحر الأبيض المتوسط أو ما توريده الصحافة المحلية بصفة شبه يومية من أخبار إحباط محاولات الإبحار خلسة و الأفواج التي تساق إلى مختلف محاكم الجمهورية من الفاشلين في الفرار من الجحيم في بلد لا يعرف إلا القمع حتى لمن لم يعودوا راغبين فيه و لا يبحثون إلا على الفرار عبر شواطئه.

-     ظاهرة البطالة المزمنة : و هي أبرز مظهر من مظاهر انسداد الآفاق خاصةفي وجه الشباب و يؤشر على إفلاس مشروع النظام الحالي حتى أن الدراسة و التخرج لم يعد هدفا في حد ذاته و لا سببا للثقة بالنفس و الأمل في المستقبل بعد أن تحول جهاز التعليم لإلى فضاء للمراقبة السياسية و الدمغجة المدمرة لكل تلقائية أو تدرب على الإنخراط في الحياة العامة و التفاعل مع قضاياه المجتمعية وتحول إلى مسلك مبهم يصب على هامش الحياة و الحيرة و الإحباط. و لعل أحسن دليل على هذه الحالة ما تعكسه المعطيات الإحصائية من بلوغ نسبة العزوف عن الزواج في سن 29 سنة إلى 85 بالمائة بين الذكور و 50 بالمائة بين الإيناث دون اعتبار تداعياتها الديموغرافية الكارثية في المستقبل.

-     إزدهار ظاهرة التهريب و انتشار أسواق التجارة الموازية : و عموم هذه الظاهرة مختلف مدن و قرى الجمهورية و إغراق البلاد في الأنشطة الهامشية على حساب المسالك الطبيعية للتوريد و التوزيع و مستقبل أصحاب المعامل و المحلات التجارية حيث نشهد عملية تدميرية منضمة للبنية الإقتصادية تهدد مستقبل نسيج إقتصادي بأسره و مستقبل مئات آلاف العائلات و انتقال هذا القطاع بأسره خارج الأطر القانونية إلى تحكم مسالك التهريب و المضاربة غير الشرعية و أصبخنا نواجه حرب اقتصادية مدمرة لبنيتنا و أسس تماسك مجتمعنا كأننا على ابواب حرب أهلية .

-     سقوط اعتبار العمل كقيمة اجتماعية : كل هذه الظواهر انعكست على اعتبار العمل كقيمة اجتماعية و عكست تذرر المجتمع لفائدة المصالح الفردية و طغيان النزعات الإنتهازية و الأخلاق الأنانية. و أصبح العمل على ندرته لا يتمتع بأدنى شروط الحماية القانونية مع تحول واضح للمناولة و الموسمية و التأجير السري وعلاوة على ضعف مستوى التأجير و عدم كفاية الدخل لتوفير المستلزمات الحياتية الضرورية مما فرض على الأجراء الجر وراء مصادر دخل إضافية على حساب أعمالهم الأصلية و ساهم في استشراء ظاهرة الرشوة و بيع الخدمات و التداخلات غير المشروعة و هي وضعية تقوض البنية الطبيعية للإستقرار الإجتماعي القائم على العمل المنضم المجزي و المضمون و تؤدي إلى فوضى يحكمها قانون الغاب و مرتعا للمضاربة و التهريب تبرز تحلل الدولة ذاتها و عجزها عن الإضطلاع بدورها الأساسي باعتبارها النواة التي تلتحم حولها كل المجموعة الوطنية.

 

 

Enter supporting content here