Make your own free website on Tripod.com

289944101636.gif

Indépendance de la justice II

Enter subhead content here

مركز الدعوة لاستقلال القضاء من الحركة الوطنية الديمقراطية

 تعتبر الحركة الديمقراطية في تونس وريثة نضال يعود إلى أكثر من مائة وخمسين سنة وهي التي انبثق عنها عهد الأمان ودستور 1856 و إعلان الجمهورية ودستور 1959 و إعلان 7 نوفمبر 1987 وهي اليوم ترفع في أوج عطائها و نضجها المطالبة بالعفو التشريعي العام و استقلال القضاء و احترام حقوق الإنسان و إطلاق الحريات.

ويفرض المنطق التاريخي لهذه الحركة أن نعي جيدا مدى إشرافنا على تحول ديمقراطي متأصل وثابت الجذور لا مندوحة عنه ولا رجوع فيه مهما كانت المناورات والظروف فهاته الأوضاع من الترقب و النضج والإصرار التي تحاصر النظام القائم و التي تكشف مدى عجزه عن التجاوب والتفاعل مع محيطه الاجتماعي و التاريخي وازدياد غربته وعزلته فيه إنما يجب قراءة دلالاتها في انحسار الشرعية التاريخية التي جاءت به على رأس الدولة و سقوط شعار الشرعية الديمقراطية "الافتراضية " الذي سوق به للتغيير.

وهو ما يبرز مدى الحاجة إلى تصور بدائل لمنطق السلطة الذي بقي أسيرا لطابعها الشمولي المتسم بتغلب التصورات الفاشية التقليدية المعروفة بتغليب الطابع الأمني للحكم و الاحتواء التنظيمي للمجتمع و التركيز الفوقي للقرار المغالطة و الإطراء الذاتي و ما يولده من انتقاء للأغبياء مما ولد قطيعة مع القوى الحية في المجتمع و انتهى إلى فرض حالة حصار دائمة لا تجد مبررا لها سوى في التمسك المرضي بالسلطة كل السلطة و عجز عن استيعاب منطق المشاركة فما بالك التداول عن الحكم.

لذلك يبدو لنا من الغرابة بمكان تملق بعض مفكرينا الحرية من نظام لا يعرف مجرد منطقها و الانسياق وراء خيبة أمل جديدة بعد ما حصل من بيان 7 نوفمبر والميثاق الوطني المنبثق عنه وما حصل من أول انتخابات تعددية في الثمانينات في أزمة حكم بورقيبة و ما حصل من انقلاب على دستور 1959 بعد الاستقلال وما حصل لعهد الأمان و لدستور 1856 و غيرها من التجارب التي يزخر بها تاريخنا و التي تؤكد أن أي نظام شمولي لا يبحث من المناورة بالانفتاح إلا لتجديد أنفاسه من أجل الانقضاض من جديد بأكثر عنف ونقمة.

لذلك نعتقد أن أي بحث عن شرعية بديلة يجب أن يتم على أنقاض الشرعية الزائفة و نظام الوصاية التسلط الذي تؤسس له بالجرأة العلمية الكافية لفضح حقيقة النظام القائم لا كمجموعة أشخاص وإنما كمنظومة قائمة على الهيمنة و الإقصاء تمثل مجموعة مصالح متضامنة على الاستبداد.

و هي شرعية لا يمكن أن تؤسس على منطق تراكمي مبني على التنازلات وشق الصفوف وتشتيت الجهود و إنما على قطيعة مع منطق التسلط والشمولية تؤسس لمجتمع تعددي قائم على الحرية يبشر بالإنسان الجديد القادر على التحرر من أوضاع العالم الثالث و على استيعاب قيم التقدم والتنمية المستديمة من منطق المبادرة دون انتضارية أو حيرة أو ذهول.

إن الشرعية المطلوبة هي الشرعية الدستورية – ولو أن الكلمة لم تعد مستساغة لما نالها من ابتذال – مؤسسة على النص ومجسدة فيه و مكتفية به كرمز لقيم المساواة و المواطنة دون إقرار بأي شرعية خارجة عنها لأي شخص أو تنظيم مهما كان دوره في تحقيقها حتى تستعيد المبادئ قيمتها و تجد الحرية كامل مجالها.

إن هاته الشرعية التي ستكون أساس النظام الديمقراطي القادم في حاجة إلى صياغة و استيعاب و تفعيل حتى تشمل كل إبداعات  وطموحات و أحلام الماضي و تستجلي كل آفاق وإمكانيات و وعود المستقبل بما يجعلنا أمام مرحلة جديدة ليست بحاجة إلى التعجيل و لا إلى الترقب ولكنها بحاجة إلى وعي مرهف و تحمل أعباء مسؤولية تاريخية بعيدا عن كل الحسابات الخاصة أو الظرفية. ولن يتسنى ذلك إلا في إطار تجديد الوفاق الوطني على المطلب الديمقراطي بدءا بمصالحة شاملة بين كل القوى الفاعلة في هذا المجال مهما كان انتمائها بما يتيح قدر كبير من التسامح يهيئ لمؤسسات الدولة الانخراط فيها شأنها شأن مختلف مكونات المجتمع المدني.

 

من هاته المنطلقات تنبع مسؤولية المؤسسة القضائية و التي تفرض عليها الانضواء تحت لواء الحركة الديمقراطية بكل أطيافها واتجاهاتها و التصدي للتوظيف الذي خضعت له وذلك باستيعاب مفهوم العدالة في أرقى معانيها: الدفاع عن الحرية.

إن مسؤولية السلطة القضائية في هذا الاتجاه وأهميتها تفرض عليها تحديات لا تقل أهمية و جسامة تقتضي مراجعة وعيها لواجب التحفظ بممارسة الحياد الإيجابي و الانخراط في الدفاع عن مقومات النظام الجمهوري الديمقراطية.    

إن السلطة القضائية بحاجة قبل كل شيء لأن تتشبع بروح العدالة وأن تتحرر من روتينية البيروقراطية المكبلة لتعيد بناء ذاتها من منطق الحرية و الاستقلالية و أن ترقى في قراءة التاريخ و المجتمع ليس من منطق أكثر الخطباء بلاغة ونفاذا أو وجاهة وتأثيرا وإنما من منطق الدولة ذاتها في طفرة تحولها نحو الديمقراطية و الحرية نحو العدالة. ولن يتسنى ذلك إلا بقدر وعيها للشرعية المؤسسة للدولة ذاتها بحيث ينحسر تأثير الأشخاص و الأسماء و التنظيمات و المصالح والإغراءات و الدسائس والمؤامرات إلى مقاييس المبادئ المسيرة التي يستوي في ميزانها الحق ويزهق الباطل و يتجلى بها جلال الشرائع والقوانين بما يوطد الشرعية في منظومة القضاء.

إن ما نعنيه بتوطين الشرعية في منظومة القضاء هو ما نعتقد أنه مدلول استقلال القضاء في أصدق معانيه. لا شك أننا بحاجة إلى استكمال البنية التقنية للسلطة القضائية في علاقتها ومركزها من بقية السلط وفي صيغة المجلس الأعلى للقضاء من حيث تركيبه و اختصاصاته و مسؤولياته و الدور الموكول إليه في إطار القضاء وفي إطار مؤسسات الدولة بصفة عامة وفي القانون الأساسي للقضاة و غائيته في تشكيل القاضي الذي نطمح إليه للنهوض بعدالتنا و إشاعة الثقة في مختلف مكونات مجتمعنا وضمان استعادتنا لحقوقنا و حرياتنا.

وكلها مواضيع تدخل في صميم العلوم القانونية و تتطلب الرجوع إلى كل المقاربات و التجارب و الإلمام بكل المعطيات و الأهداف وهي مسؤولية مشتركة لكل الخبرات القانونية التي تزخر بها بلادنا اليوم.

ولكن ما نرغب التعرض إليه في هاته المقاربة النظرية انطلاقا من إيماننا بدورنا في ترسيخ الدولة العصرية كوسيلة فاعلة في الارتقاء بمجتمعنا إنما يخص مركز القضاء من  هيكلة الدولة العصرية 'الديمقراطية'. ذلك أن بناء مجتمع عصري ينزع إلى الحداثة و يتصل بأحدث الابتكارات العلمية لا يتطلب فقط بناء منظومة اقتصادية متقدمة قادرة على استيعاب كفا آته و تنفيذ طموحاته و إنما يتطلب أساسا وقبل كل شيء توفير سلطة تحكم وقيادة عليا على قدر كبير من الكفاءة و القدرة على رصد الكفاءات واستقطابها و تفعيلها من خلال هياكل فاعلة على قدر كبير من المرونة و القدرة على الاستجابة وحدس المتغيرات في هذا الإطار الدولي الذي لا يرحم كل من جانب اليقظة و التوقع.

لقد تحولت الدولة الحديثة إلى مؤسسة محكومة بصراع المنافسة لا تقل متطلبات تسييرها عن غيرها من المؤسسات فهي تسوق علامة البلاد  في استقطاب الاستثمارات و ترويج المنتوجات ويحكمها منطق النجاح و الفشل في بورصة الدول كما تحكم البورصة مصير المؤسسات في حصص تداول الأسهم و غني عن البيان الدور الموكول للقضاء في إنجاحها.

إن دولة بهذا الشكل لا يمكن أن تبقى رهينة إقطاعية رأسمالية الصفقات والفساد و بيروقراطية الرشاوى و الإتاوات وهي كذلك لن تكون ما لم تتخلص من نفوذ ذوي المصالح و تأثيرهم ومن انتهازية البيروقراطية الطامعة و انحطاطها وتنصلها من أداء واجباتها و الاضطلاع بمسؤولياتها و دحر عقلية التواكل و "البيليك" التي تربت عليها أجهزة طفيلية لا ينافس ضخامتها إلا هشاشتها الأخلاقية القائمة على التملق و الوشاية و الكيد والنميمة في وجه فئات عريضة محيدة مكبلة على هامش الحياة ترقب في صمت وفي أوج العطاء كالجرح النازف في خاصرة الوطن غدر الإنسان بأخيه الإنسان و المدى الذي يمكن أن تصله الأنانية والجشع في مجتمع تهيمن عليه قيم النفاق و الطمع.

إننا نستلهم قيم العدالة من مجتمع يستوعب كافة مواطنيه و لن تستوعب العدالة هذا الدور ا كانت مقصية و تركت لضمائر أفراد قد يكونون ممن لا ضمائر لهم ولا عقول.

إن منطق العدالة يجب أن ينبع من منطق المؤسسة لا من نوازع أفرادها و لا يجب أن تقاس بمقاييس الخسة و الكمال. إن فكر المؤسسات عندما ترتقي في هيكلتها وكفاءة أدائها يطحن نوازع أفرادها و يفضح الرداءة و يقصيها من دوائر القرار بحيث تحتل الاستقلالية موضع المحور الذي تدور عليه.

 

على أن ما يميز نظاما للعدالة قائما على مبدأ الاستقلالية كتعبير عن السلطة القضائية في موازاة بقية السلط في إطار نظام ديموقراطي يتمثل في الاختلاف الجذري من حيث الارتباط. ذلك أن أي نظام ديمقراطي قائم على التداول على السلطة يقتضي ارتباط السلطتين التنفيذية و التشريعية بمرجعية إيديولوجية و اجتماعية لا تمثل إلا أحد أو بعض الروافد السياسية للدولة تحمل برنامجا محددا لفترة تشريعية محددة قد تنتهي وقد تتجدد بحسب ما تفرزه صناديق الاقتراع بحيث أن الوظيفة السياسية و البرلمانية لا يمكن أن تستمر في كل الحالات إلا إلى حين وهو ما يختلف اختلافا جذريا مع الوظيفة القضائية سواء من حيث متطلبات الاستقرار و الاستمرار أو من حيث المرجعية التي لا يجب أن تقتصر على نضام معين أو تتلون بحسب تبدله بل أن مرجعيتها ترتبط مباشرة بالدولة بقطع النضر عن تبدل الاتجاهات و السياسات والأنظمة الماسكة بالحكم وهي بهذا الاعتبار المؤتمنة الحقيقية على استمرارية الدولة شأنها شأن المؤسسة العسكرية و الأمنية مهما كان الزعيم أو الحزب الحاكم وهي المسؤولة على سطوة الشرعية كما يحددها الدستور و تنظمها القوانين.

 وهو معنى قولنا أنه لا يمكن قيام قضاء مستقل في وضع غير ديمقراطي على أن وقوع القضاء تحت وصاية السلطة التنفيذية لا يجب أن يقودنا إلى ما يعرف بجمهورية القضاة بمعنى وقوع السلطة التنفيذية تحت وصاية القضاء و لو أن الأخطار لا تقارن في الحالتين و هي مسألة تتعلق بالبنية المؤسساتية للدولة و اختيار نمط نضام الحكم يحكم موقع القضاء فيه.

 

اتصال مطلب العفو التشريعي العام بالدعوة لاستقلال القضاء   

لا شك أن أي دعوة لإصلاح القضاء إنما ترتبط بوضعية تاريخية غير سليمة مرت بها هاته المؤسسة تبرر المناداة بإصلاحها فضلا عما إذا كانت هذه الدعوة تهم استقلال القضاء. ذلك أن عدم الاستقلالية إنما يعني انحياز المؤسسة القضائية إلى جانب الفئات المتحكمة في السلطة وهي حالة لا ينجر عنها اضطهاد المنافسين السياسيين فحسب بقصد التشبث بالسلطة ومنع التداول الطبيعي على الحكم بتوظيف القضاء لهذا الدور وإنما يعني حلول الاستبداد انخرام ميزان العدالة في المجتمع بصفة عامة وتحويل القضاء إلى وسيلة تغلب وقهر لا يشكل المضطهدون السياسيون إلا الجزء اليسير منها أمام من طحنتهم محاكم الحق العام أو طحنت حقوقهم وأرزاقهم بفعل الطابع الزجري المجحف الناجم عن اختلال نظام العدالة بما يعني أن العفو التشريعي العام أشمل من طرحه الحالي بكثير.

ترتبط الدعوة لاستقلال القضاء في المدة الأخيرة بصفة خاصة بالرغبة في تجاوز آثار القمع التي طالت الحركة الإسلامية في العشرية الأخيرة من القرن العشرين عن طريق إطلاق سراح مئات المعتقلين الذين لا زالوا يقبعون في السجون بعضهم منذ أكثر من عشر سنوات و تجاوز التتبعات التي تطال آلاف المغتربين لتمكينهم من العودة لوطنهم و استرجاع كل من حرم من حقوقه المدنية و السياسية بسبب تتبعات ناجمة عن نشاطاته السياسية أو أفكاره المخالفة بما يسمح للجميع بالمساهمة كطرف فاعل في تصور بناء البديل الديمقراطي المنشود.

لكننا نعتقد أن إثارة قضية العفو التشريعي العام من هذه المنطلقات و في غياب رغبة تجاوب حقيقية من السلطة القائمة لن يتحقق إلا على أساس مقايضة مع نفس هذه السلطة لاعتبارات إنسانية تسمح بموجبها بتحقق هذه المطالب في إطار نفس المنطق الإقصائي و الانفرادي في الحكم بما لن يترك إلا دور هامشي لكل معارضيها حسب نفس المنطق التحكمي الذي لن يحول دون تكرر نفس الأسباب التي تؤدي إلى نفس النتائج في المستقبل.

لذلك فإن العفو التشريعي  بهذا المعنى  لن يشكل سوى تنفيسا ظرفيا للمأزق الحالي ولن تكون نتيجته سوى تأجيل طرح القضايا الأساسية التي يواجهها المجتمع التونسي وزيادة تعقيدها بطمس المظلمة المسلطة عليه في شكل وصاية تباشرها سلطة مستبدة في خرق سافر للدستور منذ أكثر من أربعين سنة.

 

إن العفو التشريعي لا يمكن أن ينبع من منطق تسامح مع مخطئين سواء كانوا إسلاميين أو غيرهم ولن نصل لاستيعاب مفهومه الحقيقي ما لم ننجح في ترسيخ الوعي و القناعة بالمظلمة المسلطة على المجتمع التونسي من جراء نصف قرن من الاستبداد المطلق و المناورات والانقلابات و القمع المسلط على كل من حاول تجاوز واقع الاستبداد مهما كانت انتماءاته أو طبيعة مطالبه سياسية أو نقابية أو اجتماعية ، إسلامية أو قومية أو يسارية و ذلك عن طريق فرض سياسة حصار أمنية توظف مؤسسات الدولة العسكرية و الأمنية و القضائية و الإعلامية لخلق مناخ إرهاب اجتماعي يتيح قمع كل مخلفة في الرأي و الإجهاز على كل محاولة بناء لتنظيم لا يسير في فلك السلطة و تقويض كل محاولة لاستعادة التنظيمات القائمة لاستقلاليتها و ذلك عن طريق تجريم العمل السياسي و ممارسة الحريات التي لا تصب في مصلحة السلطة و لا تدعم وضعها الشمولي المستبد بصفة مباشرة أو غير مباشرة. وذلك بتلفيق التهم لها و تطويع التشاريع لوضعها في قفص الإدانة أمام قضاء هش منصاع لا تؤدي أبواب محاكمه إلا إلى زنزانات السجون وهو قضاء تورط في تزكية قمع الحركة الدستورية اليوسفية بما شمله من اغتيالات و في قمع الحركة الاجتماعية في عهد التعاضد بما رافقها من نهب للأرزاق و الممتلكات و في قمع الحركات الطلابية و التلميذية في مختلف المراحل و تقويض هياكلها الشرعية حتى تحولت الجامعات إلى محتشدات رهيبة مسيجة يصول فيها أتباع الحزب الحاكم ومرتزقته في حراسة أمن خاص و متواطئ كما تورط في إضفاء الشرعية على قمع الحركات القومية و اليسارية و الديمقراطية و الإسلامية و حتى القائمة لمجرد الدعوة لاحترام حقوق الإنسان والحريات العامة تحت شعار مقاومة التطرف و الإرهاب و هو يدرك أنه إنما يكرس حقيقة الإرهاب و يساند الضلم و الاستبداد و لم يرجع عن غيه بل زاد مكرا ودهاء وأصبح يطال كل من تجر أ على الجهر بالاختلاف بوسائل ملتوية وخسيسة لتحطيم إرادته و تدمير إنسانيته بالسطو على المكاسب و الأرزاق و تضييق سبل العيش الكريم بالإقصاء عن العمل و تهديد مصالح الأقارب و الأحباب و تسخير صحافة سوقية سافلة لنهش الأعراض وهتك الحرمات و الاعتداء على أبسط الحريات الذاتية و طمس جرائم التعذيب حتى المؤدية إلى الموت و التوافق على الإجراءات الباطلة سواء أثناء البحث أو المحاكمة و تلفيق الحجج والشهادات إلى حد التورط في المحاكمات المتكررة من أجل نفس الأفعال لنفس الأشخاص حتى أصبحت بلادنا مضرب مثل أعرق وأكبر المنضمات الحقوقية الدولية و العالمية في الاستهتار بأبسط القيم و المواثيق.

لكل هذه الأسباب فإن المطالبة بالعفو التشريعي إن لم تأخذ في خلفيتها كل هذه المعطيات وتسعى لتوضيحها و تجاوزها لن تتعدى الدعوة إلى هدنة في انتظار قمع جديد. و ارتباط الدعوة لاستقلال القضاء بالدعوة للعفو التشريعي العام تتجلى بكل معانيها باعتبارها الشرط الأساسي و الضروري و الذي لا مناص منه حتى يأخذ العفو التشريعي العام المدى الحقيقي الذي عناه نضال الحركة الوطنية الديمقراطية و تضحياتها.

إننا نسيئ طرح قضية العفو التشريعي العام إذا أخرجناها من السياق الطبيعي الذي وردت فيه إثر هذه العشرية الحالكة. إن سجنائنا في قبضة النظام كبقع الدم التي تلطخ أيدي المذنب و تصرخ لإدانته وقد نقع تحت وقع الاعتبارات الإنسانية في إجهاض الثمرة التاريخية لمعاناة ونضالات عشرات الآلاف ممن طالهم الاعتقال و التعذيب و التشريد والقمع و الاضطهاد من أجل قضايانا الوطنية الديمقراطية.

فالجلي الواضح أن السلطة و النظام القائم بكل مكوناته لا يتجاوب مع هذه الاعتبارات و أن الرحمة نزعت من قاموسه منذ عهد بعيد وإلا كيف نفسر الحالات الرهيبة من السجن الانفرادي التي تطول بعض المعتقلين منذ أكثر من عشر سنوات أمثال العريض و شورو و الجبالي و كيف نفسر إعادة ايقاف سمير دليو وغيره في اليوم الموالي لإطلاق سراحه بعد عشر سنوات من السجن و المدد الإضافية التي يقضيها بعض المساجين رغم انقضاء مدة عقوبتهم و هل جالت بعض هذه الخواطر بذهن قضاة تنفيذ العقوبات أم أنهم لمجرد الديكور. إن نظاما على هذا القدر من العنجهية و التسلط لا رغبة له في المصالحة إن لم يكن مقهور عليها ليس انسجاما مع منطق المصالحة و إنما طمعا في تبييض يديه و إنقاذ مصالحه.

و حتى لا يكون العفو التشريعي العام تهربا من دفع ثمن الحرية و الديمقراطية كاملا فإنه لا يمكن أن يتحقق إلا على أنقاض الاستبداد بتجاوز مرحلة التغلب و القهر التي عرفتها بلادنا طيلة العهود السابقة وفرض مبادئ العدل والمساواة المؤسسة لدولتنا على الجميع.

 

ولأننا نعتقد صادقين انطلاقا من انغماسنا في مشاغل شعبنا و في تجربته التاريخية بكل خصائصها و هناتها و تميزها أننا قادرون على تجاوز المرحلة الاستبدادية بدون هزات أو مآسي بما يكفل الحفاظ على كل ثمار الجهد الصامت و العرق البخس و الصبر الكتوم الذي أوصلنا إلى كل ما ننعم به اليوم من رفاه نسبي و توفر لمقومات الازدهار الحقيقي فإننا ندعو لانتهاز الفرصة التاريخية المواتية للانخراط في محاولة التقويم الشامل و إعادة الأمانة للشعب كما اقتضاه نص وروح الدستور في ضل مؤسسات رائدة تضمن استمرارية الدولة وهو المحتوى الحقيقي لدعوتنا لاستقلال القضاء كمسألة أولية حتى نستعيد جميعا حكاما ومحكومين الثقة في العدالة و نثق في قدرتها على المساواة أمام القانون و تصفية مخلفات الوصاية و الاستبداد.

إن القبول بالدعوة لاستقلال القضاء يعني الارتقاء الحضري في التعامل السياسي بين السلطة و المجتمع ذّلك أن الدور الذي لعبه القضاء في تصفية كل التحركات الاجتماعية و السياسية ضد الوصاية و التسلط منذ الاستقلال إلى الآن جعله ينحاز كليا إلى صف الفئات المتحكمة و هو ما أفقده ثقة المجتمع المدني فيه و هو مبدأ أصبح يعلن صراحة في وجه القضاة خلال المحاكمات السياسية ومحاكمات الرأي في المدة الأخيرة ولا يجدون عليه ردا. كم أن القضاء لم ينجح بعد أن فرط في استقلاليته في كسب ثقة السلطة التي تتعامل معه بريبة و توجس و لا تكف عن تطوير ممارسات الإحاطة و الاحتواء و تكريس انتقائية خطيرة يعرف الجميع مدى تجافيها مع منطق الكفاءة و النزاهة لضمان ولاء القائمين بأهم الوظائف و المسؤوليات و لردع كل مسعى نحو الاستقلالية بين الأغلبية المتذمرة من أوضاعه. وهو بذلك قضاء فقد ثقة الجميع و أسير نفس الأوضاع التي تكبل مجتمعنا بأسره.

و حتى يكون القضاء التونسي قادرا على الاضطلاع بدور الحكم في حسم الأزمة الوطنية لا بد من الرجوع إلى المبادئ المسيرة التي قام عليها النظام الجمهوري كما صاغها دستور 1959 باسترجاع سلطته و مكانته كاملة و التسامي بنضرته لكل المؤسسات و الأفراد عن مقاييس السطوة و النفوذ إلى مقاييس الشرعية الدستورية و المساواة أمام القانون. ولكن هل نحن قادرون فعلا على ذلك دون انخراط مبدئي فعال وبدون تحفظ في العمل من أجل استقلال القضاء و توظيف كل جهد أجهزتنا التمثيلية في خدمة هذا الهدف؟ 

المختار اليحياوي - تونس ـ 2001

Retour au début

Enter supporting content here